عطر الغياب – حين يتحوّل الحنين إلى أدب هناك كتب تُقرأ بالعين، وأخرى تسكن القلب قبل أن تفتح صفحتها الأولى… وعطر الغياب من النوع الثاني؛ لا يُقرأ فحسب، بل يُعاش. في هذه المجموعة، لا تبحث د. سماح عزازي عن الأبطال في الشخصيات العظيمة أو الأحداث المدوية، بل تغوص في التفاصيل التي نتجاهلها وسط ضجيج الحياة: مقبض باب قديم، مظلة معلقة على مشجب، قميص أبيض مطوي على كرسي، صندوق رسائل منسية تحت سرير… تتحول هذه الأشياء إلى أبطال صامتين يحملون ذاكرة، ويشهدون على حكايات لم تكتمل. القصص ليست عن الحبّ وحده، بل عن آثاره. عن الحب حين يترك ظلاً ورائحة وصوتًا يرفض أن يختفي. عن الغياب الذي لا يعني موتًا، بل حضورًا آخر يتنفس عبر الذكريات ويملأ الأركان همسًا. لغة الكاتبة ليست حكيًا تقليديًا؛ إنها لغة حنين. كل جملة تنهيدة، وكل سطر لمسة على كتفك. السرد بطيء محبّب، كأنك تستمع إلى صوت يحكي عند الغروب، فتتمنى أن يطول الغروب ولا ينتهي الكلام. في عطر الغياب، الأشياء ليست مجرد خلفية للأحداث؛ إنها مستودعات للذاكرة، جسور بين زمنين: زمن كان حيًّا وزمن يرفض أن يموت. المظلة الكستنائية ليست للحماية من المطر، بل شاهدة على وعد لم يتحقق. القميص الأبيض نافذة على من رحل. الرسائل المغلقة قلوب كتبت لأنها لم تستطع أن تتكلم. هذه النصوص لا تصرخ بالمشاعر، بل تتسلل بهدوء حتى تبكي على مظلة قديمة، أو تبتسم أمام قميص باهت. هنا، الغياب ليس فراغًا، بل حضور خافت. عطر الغياب سيجعلك تفتح أدراجك المنسية، تبحث عن ورقة، عن عطر، عن رسالة لم تُرسل. سيفاجئك بأنه لا يحكي عن الآخرين فقط… بل عنك أنت، عن ظلال حبّك، عن كل ما تركته خلفك دون أن تدري. إنه كتاب لن تضعه على الرف بعد القراءة؛ بل ستتركه مفتوحًا… لأن قلبك سيظلّ يعيش بين صفحاته.