أصبح محمد إقبال– بكل ما يمثله من قيم إنسانية– ظاهرة أخاذة في مسار الحضارة الإسلامية، ظاهرة أخذت بألباب المسلمين ومن سواهم، ودعتهم إلي التوقف هنيهة للنظر في أنفسهم، وفي حاضرهم، وفي مستقبلهم.rnrnلقد وقف إقبال حياته كلها من أجل تلك اللحظة الفريدة التي من شأنها أن تحدث انقلاباً متجدداً في النظام الكوني: لحظة العودة إلي الذات، والنظر في أعماق القلب الذي لا تحده حدود، وإدراك هذا الجانب النوراني في النفس الإنسانية الذي هو قبس من النور الإلهي ذاته.rnrnعرف إقبال حقيقة الإنسان وقيمته؛ فأراد أن يلقنه درس الإنسانية الحقة بما تنطوى عليه من جانب إلهي. وعرف حقيقة الكون فدعا الإنسان إلي تسخيره بقوة العقل والقلب معاً، وأدرك العلاقة القائمة بين الله والإنسان فنادى في الناس بأن يتخلقوا بأخلاق الله، وأن يكتسبوا صفاته حتي يكتب لهم الخلود.rnrnولقد كانت منطومة “جاويد نامه“- التي نحن بصددها– هي المنظومة التي شرح إقبال فيها بأسلوب شعري وجداني كثيراً من آرائه التي وردت في “تجديد التفكير الديني في الإسلام“، بل نلاحظ أيضاً أنه عدل عن بعض هذه الآراء وصححها في “جاويد نامه” وهي الآراء التي أخذها عليه (بعد ترجمة الكتاب إلي العربية في سنة 1955م، وبعد وفاة إقبال بنحو سبعة عشر عاماً) بعض العلماء العرب من أمثال الشيخ عبد العزيز المراغي، والدكتور محمد البهي، والدكتور عبد الحليم محمود.rnrnولقد هيأ الله لي أن أتصل بفكر إقبال، كما جاء في أشعاره ودواوينه التي كتبها باللغتين الفارسية والأردية، وأن أتوفر بصفة خاصة في بحثي لنيل درجة الدكتوراه في الآداب الفارسية علي دراسة “رسالة الخلود“، وها أنا ذا أضع أمام القارئ العربي ثمرة هذه الدراسة ممثلة في هذا الكتاب الذي نهجت فيه منهجاً جديداً لتقديم فكر إقبال بصورة واضحة.rnrnفلقد حرصت في دراستي هذه علي أن أتجنب تركيز أفكار إقبال في كلمات قلائل، وإنما عمدت إلي البسط وإلقاء المزيد من الأضواء علي هذه الأفكار. وفضلاً عن الأقسام التمهيدية التي أردت بها التعريف بفكرة الرسالة وموضوعها، حاولت قدر جهدى أن أبدأ كل فصل من فصول الرسالة بتقديم عام، توخياً لتحديد معالمه الرئيسية. ولإبداء الرأي بصفة عامة في هذه المعالم، ورجعت إلي الآراء التي سبق لإقبال أن أبداها في موضوع الفصل أو الجزئيات الواردة فيه، حتي نتعرف علي البيئة الخاصة التي نمت فيها آراؤه في القضايا المهمة التي عالجها، ولم أترك بيتاً من أبيات الرسالة التي تبلغ 1959 بيتاً إلا وأتعرض له بالتحليل والربط بينه وبين سابقه والعمل علي إدماجه في مسار المنظومة كلها.