في اللحظة ذاتها التي أبصرت فيها النور، كان ثمة من يراقب الموقف في صمت عميق لا يخترقه أي صوت. كان أفعى أسود المامبا، غير أن المفارقة التي تهز الأعماق أنه رُزق بمولودة جاءت إلى الدنيا على هيئة طائر صغير لا يشبهه في شيء. غابت عن الوعي برهة ثم أفاقت فجأة على حقيقة مذهلة، فقد وجدت نفسها طائراً ضئيلاً، وكأن القدر اختار لها هذا المصير العجيب الغريب منذ البدء. ولم يقف الأمر عند هذا الحد المدهش، إذ إن كل من حولها غارقون حتى أذنيهم في فرط حماية يتجاوز كل حدود المنطق والمعقول. أحدهم يطلق تهديده صارخاً من أجرأ ابنتي على البكاء سألوي عنقه في التو واللحظة. وآخر يصرخ طالباً من الجميع التزام الهدوء دون جدوى، مؤكداً أنه سيقضي عليهم جميعاً حتى آخر واحد فيهم لأنه على يقين تام بأن أحدهم لا محالة يقف خلف ما حدث لها. وثالث يحاول جاهداً التوسط بين الطرفين المتخاصمين قائلاً كفى كلاكما، فأختي معدتها ضعيفة لا تتحمل كل هذا، فلنرتب الأمر بهدوء ومن دون أي ضجيج. وهكذا يستمر الجميع في عيشهم داخل حالة من الحماية المفرطة والقلق الدائم الذي لا يفارقهم على هذه الطفلة الطائر، وكأنهم يحرسون كنزاً هشاً يخشون عليه من أقل نسمة هواء.