أتساءل مراراً وتكراراً، بقلبٍ مثقلٍ بالحيرة، عن هذه الحياة التي أعيشها، تلك الحياة التي طُويت في زوايا النسيان ولم يتبقَّ منها سوى أطلالٍ باهتةٍ وذاكرةٍ تكاد تتلاشى. مئة عامٍ مضت وكأنها لم تكن شيئاً مذكوراً، وكأن الزمن عبر بها مسرعاً دون أن يترك بصمةً أو أثراً يُذكر. وُلدت من رحم امرأةٍ خادمة، من طبقةٍ وضيعةٍ لا حول لها ولا قوة، لا تملك من أمرها شيئاً، ومع ذلك وجدت نفسي أرتدي ثوب الأمير وأحمل لقباً لا يشبهني ولا يشبه أصلي ولا ينتمي إلى جوهر وجودي. أتساءل بمرارةٍ تعتصر قلبي: هل أنا حقاً أمير؟ أم أنني مجرد ظلٍّ يتيماً يعيش في جسدٍ ليس له، ويتنفس هواءً ليس من نصيبه؟ نشأت في قصرٍ لم يكن يوماً لي، بين جدرانٍ تحكي قصصاً لا تنتمي إليّ، وتروي حكاياتٍ لا أملك منها إلا الصمت. لا أتباع يقفون خلفي، ولا حقّ في الخلافة ينصبّ في يدي، وربما لن يكون لي نصيبٌ في هذه الدنيا سوى حياةٍ تُطوى في لحظاتٍ أخيرة دون أن يلاحظها أحد، دون أن يرف لها جفنٌ أو يهتم بها قلب. يبدو أن لا أحد يبالي بوجودي هنا، في هذا المكان الغريب الذي يلفّه الغموض من كل جانب، وتكتنفه الأسرار من كل زاوية. صحيحٌ أن العيش فيه يبدو سهلاً للوهلة الأولى، مريحاً للعابر، لكن ما هذا الشعور الدفين الذي يتردد صداه في أعماقي؟ شعورٌ غامضٌ يهمس لي في سكون الليل بأن هناك شيئاً ما لا أراه، وأن حقيقتي أخطر مما أتصور وأعمق مما أظن. أنا أعلم أنني أمير، لكن هل يعرفني أحد حقاً بما أنا عليه؟ هل أدرك أحدٌ حقيقة وجودي بينهم؟ هل أنا مهمٌّ بما يكفي ليُذكر اسمي، ولو همساً، ولو عابراً؟ أم أنني مجرد ذكرى عابرة ستُنسى كما نُسي كل شيءٍ من قبل، وكما ستُنسى أشياء كثيرة بعدي؟ هذه الأسئلة تلاحقني في كل زاوية، في كل همسة، في كل خفقة قلبٍ تذكرني بأنني غريبٌ في مكانٍ قد لا يكون مكاني أبداً، وأنني أعيش حياةً ربما كُتبت لغيري، وأحمل اسماً ربما لا يشبهني، وربما لن يشبهني أبداً.