في قلبِ مأساةٍ قاسيةٍ وموجعة، وجدتُ نفسي غارقةً في غيبوبةٍ عميقةٍ لا رجعةَ منها، بعد أن صدمتني سيارةٌ مسرعةٌ ولاذ سائقها بالفرار تاركًا إياي معلّقةً بين الحياةِ والموت، لا أعرفُ مصيري ولا إلى أين تتجه بي الأقدار. وفي تلك الفترةِ العصيبةِ التي كنتُ فيها بين اليقظةِ والضياع، حيث تتشابكُ الأحلامُ مع الكوابيس ولا يكاد المرء يفرّق بين الوهمِ والحقيقة، اكتشفتُ أنَّ حبيبَ قلبي، ذلك الذي منحتُه ثقتي ووهبتُه مشاعري، قد وقع في غرام أقربِ صديقاتي إلى نفسي، فكانت تلك الطعنةُ الخيانةَ التي مزّقت ما تبقّى من روحي وأطفأت آخرَ شمعةٍ في قلبي. لكنَّ الصدمةَ الأكبر والأشدّ وقعًا على نفسي كانت عندما علمتُ أنَّ ذلك الجانيَ الذي فرَّ بعد أن دهسني هو ذاتُه مَن تسبَّب في موت والدي، فاجتمعَ عليَّ الألمُ من كلِّ اتجاه وكأنَّ الدنيا قد أطبقتْ عليَّ بظلامها. والأدهى من ذلك كله أنَّ هذه الصديقةَ المقربةَ التي سرقت حبيبي ليست سوى ذاتِها تلك الفتاة التي كانت شريكةً في جريمتي، الجريمة التي خطفت مني أبي وحطّمت حياتي وشتّتت أسرتي. عندها فقط استجمعتُ كلَّ ما تبقّى من قواي المتناثرة، واتخذتُ قرارًا حاسمًا لا رجعةَ فيه، قرارًا وُلد من رحمِ الألمِ والخيانةِ والظلم، بأن أستغلَّ المشاعرَ الجياشةَ لرجلٍ متيّمٍ بي، رجلٍ أعماه الحبُّ حتى لم يعد يرى سواي، لأجعلَ منه أداةً لتنفيذِ انتقامٍ شاملٍ لا رحمةَ فيه ولا هوادة، انتقامٍ يطالُ كلَّ مَن خانني وتسبَّب في دمارِ حياتي وتشريد مستقبلي. ولم يخطر ببالها يومًا، ولو للحظةٍ واحدة، أنَّها هي نفسها ستنزلقُ في النهاية وراءَ هذا الرجلِ الذي ظنّت أنَّها تسيطر عليه وتتحكم بمصيره، وأنَّها ستنجرفُ في تيارِ مشاعره المتدفقةِ وتنساقُ إليه بلا وعيٍ ولا إرادة، لتجدَ نفسها في النهاية أسيرةَ حبٍّ لم تكن تتوقعه ولا تخشاه. إنَّها دراما ملتهبةٌ ومشتعلة، تُجسّدُ بكلِّ تفاصيلها وكأنَّها كوابيسُ تحضيراتِ زفافٍ عاصفةٍ ومجنونة، زفافٍ يجمعُ في مشهدٍ واحدٍ متناقض بين امرأةٍ أعمتها رغبتها الجامحةُ في الانتقام حتى فقدت بصرَها عن كلِّ شيءٍ آخر، ورجلٍ فقدَ عقله من شدةِ العشقِ وتاهَ في بحرِ حبِّ تلك المرأةِ التي لم يعد يرى في الوجودِ سواها، في رقصةٍ مأساويةٍ بين الانتقامِ والهيام، بين الخداعِ والافتتان، بين ظلامِ الروحِ ولهيبِ القلب.