في عالم تحوّلت فيه أسماك عملاقة إلى وحوش زاحفة على أرض البشر، تلتهم ببطء كل ما يصادفه طريقها، وتبتلع بلا رحمة وجود الإنسان ذاته، لم يبقَ أمام بني البشر سوى خيارين لا مفر منهما ولا ثالث لهما: فإما أن يتوحدوا جميعاً ككتلة واحدة ويصطفوا صفاً واحداً في وجه هذا التهديد الزاحف الذي لا يعرف التوقف، وإما أن ينقضّ بعضهم على بعض، ويأكل القوي من زاد الضعيف، فيتحولوا هم أنفسهم إلى وحوشٍ بشرية. ولا يمكن القول إن خطر هذه الأسماك العملاقة قد تراجع قيد أنملة أو خبت ناره، بل على العكس تماماً، ظل يتصاعد ويشتد ضراوةً يوماً بعد يوم، حتى أصبح كابوساً يطارد اليقظة قبل الأحلام. أما الأشخاص الذين تصادفهم في هذا العالم المنهار، والذين كنت تأمل يوماً أن تجد فيهم العون والملاذ، فهم ليسوا مصدر طمأنينة بأي حال من الأحوال، بل على النقيض من ذلك، تحوّلوا إلى كائنات أكثر خطورة وشراسة مما كانت عليه في أي وقت مضى، حتى صار المرء يخشى أخاه قبل أن يخشى الوحش الزاحف. وغريزة البقاء المتجذرة في أعماق النفوس البشرية لم تعد تفعل شيئاً يُذكر سوى أنها تطيل أمد المعاناة والألم، وتغذي الجراح بدلاً من أن تداويها، وتؤجج الصراع بدلاً من أن تطفئه. وكأن الألم ذاته صار وقوداً لا ينضب لهذا العالم المحتضر. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد ولا يقف عند هذا السقف، فالتهديد الذي كانت تمثله تلك الأسماك العملاقة، والذي كان مقتصراً في السابق على ضخامة حجمها وشراسة أنيابها فحسب، بدأ يتطوّر ويتحول إلى شيء آخر مختلف تماماً، شيء أكثر رعباً وأشد فتكاً وخطراً، شيء لم يسبق له مثيل على الإطلاق، وكأن الكارثة الأصلية نفسها قد بدأت تُنجب كوارث جديدة، وكأن هذا العالم لم يشبع بعد من الخراب. وفي خضم هذا الواقع القاسي المتغيّر الذي لا يرحم، تكافح فتاة تدعى هانا من أجل البقاء في عزلة تامة، مبتعدة عن الجميع، منكفئة على نفسها، وكأنها تفر من شيء ما يطاردها في الظلام، أو ربما تحاول أن تجمع شتات نفسها المتناثرة، وتلملم جراحها العميقة لتتجاوز ماضياً أليماً ظل يلاحقها بلا رحمة ولا هوادة. غير أن هذا العالم القاسي لا يمنحها رفاهية الوقت ولا يتيح لها الفرصة لترميم جراحها والتأقلم مع ما جرى، بل يدفعها دفعاً قوياً نحو مواجهة مصيرها المحتوم وسط هذا الخطر المتنامي الذي يزداد اتساعاً يوماً بعد يوم.